رؤية إستراتيجية مستقبلية : الطريق إلى أين ؟


الاستراتيجية هي علم المستقبل، وهي الوسيلة التي بها تحدد الدول والشركات والأفراد المنهج الذي تركز عليه الدولة أو الشركات أو الأفراد على الكيفية لتحقيق الأهداف الإستراتيجية المرغوبة. ويمكن فهم هذا المصطلح من عدة محاور.


أولا : إن هذا العلم – كأي علم من العلوم الحديثة – له أصوله وتداعياته وبداياته، وهذا العلم بدأ في القيادة والإدارة العسكرية ، ثم شاع استعماله في علوم أخرى وعرفت الإستراتيجية بعلم كبار الضباط (الجنرالات) ما الذي يفكرون فيه نحو تحقيق أهدافهم في المعارك والحرب والسلم والسلام.


وعكس الاستراتيجية فإن التكتيك الذي يقوم به صفار الضباط هو العمليات العسكرية من قبل هؤلاء الضباط وهو الأهداف الإستراتيجية التي وضعها كبار الضباط وينفذها صغار الضباط في الميدان العسكري وفي الحكومات.


ثانيا : نجد أن كل حكومة تتبع إستراتيجية معينة تركز على مبادئ عامة في العلاقات الدولية السياسية أو الاقتصادية أو العسكرية، وقد شاع استخدام هذا المصطلح بعد الحرب العالمية الثانية بعد الاستعانة بكبار الضباط في الأمور السياسية و إدارة الشركات الكبيرة وهذا الثالوث الاستراتيجي السياسة والاقتصاد والدفاع العسكري هي التي تركز عليها استراتيجيات الدولة. أما الشركات فإنها تضع استراتيجيات الإنتاج والتسويق والإدارة لتحقيق الأرباح مع المحافظة على الجودة والنوعية أما الأفراد فيضعون استراتيجياتهم لتحقيق أهدافهم العلمية والعملية والأسرية والاجتماعية والاقتصادية ولكل طريقته.


وفي كل الأحوال فإن الاستراتيجية تتعلق بالمستقبل وماذا ترغب تحقيقه من أهداف وكيفية تحقيقها ومرتكزاتها والأسس التي بنيت عليها.


وتلجأ معظم الدول إلي مراكز الدراسات والأبحاث الإستراتيجية الخاصة الاقتراح الاستراتيجيات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تراها ثم تدرس من الجهات المختصة في الحكومات، وتأخذ منها ما تشاء ويوافق سياستها وتتبناها إستراتيجية لها، وبعض الدول تشكل مراكز دراسات وأبحاث إستراتيجية حكومية تقوم بنفس الغرض وتنفذ هذه الاستراتيجيات من حين لآخر حتسبها تغير القيادات فكل قيادة لها منظورها ورؤيتها واستراتيجيتها وهكذا تتقدم الأمم، والشركات الكبرى، والمصانع الكبرى لها استراتيجيتها تبعا الاستراتيجيات حكوماتها، والنظر دائما إلى المستقبل وماذا سيكون عليه الوضع الوطني والدولي.


ونحن في المملكة العربية السعودية لدينا استراتيجياتنا الوطنية. فالخطط الخمسية للتنمية الاجتماعية والاقتصادية والأمنية تشمل الأسس الإستراتيجية التي تبنى عليها الخطط الخمسية للتنمية، وكذلك الشركات الكبرى لديها استراتيجيات. غير أن الاستراتيجيات الاقتصادية و السياسية والأمنية غير واضحة المعالم لأنها في أذهان الرجال وكبار رجال الدولة، وهم مثل كبار الضباط لا يودون مشاركة صغار الموظفين فيها، وفي وضعها ، ومع ذلك فإن المشاركة من قبل مراكز الدراسات الإستراتيجية سواء كانت خاصة أو حكومية ضرورية وأمر متعارف عليه دوليا، لأن الوضع تغير الآن فأصبح السياسيون الكبار في كل بلد لا يستغنون عن المتخصصين في العلوم السياسية والاقتصادية والعسكرية لبلورة استراتيجياتهم الوطنية. فالعلم والمعلومات التي تبنى عليها الاستراتيجيات أصبحت واسعة وكثيرة ، ويصعب الإحاطة بها ولابد بالاستعانة بالمختصين لدينا في هذه العلوم، ولدينا – والحمد لله – مخزون استراتيجي من هؤلاء الرجال والنساء الذين يستطيعون تقديم الدراسات الاستراتيجية. ومن هذا المنطلق فإني سوف اطرح رؤيتي الإستراتيجية نحو كثير من القضايا السياسية والاقتصادية والأمنية والصناعية والإدارية المعاصرة بقدر ما تبين لي من علم و تجربة فهي لا تمثل إلا رأيي الخاص، ونظرتي للمستقبل. فمثلا الإستراتيجية السياسية للمملكة خلال السنين الماضية تجاه الدول المجاورة مثلا في نظري متوازنة، وتعتمد على سياسة الأمر الواقع، وتلتزم بعدم التدخل في الشئون الداخلية للعراق كما ورد في كلمة سمو وزير الخارجية في مؤتمر بروكسل في ۱۲/يوليو /۲۰۰٥م([1]).


والنتيجة وبسبب إحجام المملكة عن التأثير على الأوضاع هناك أصبح معظم العرب في العراق غير مشاركين في الانتخابات والمجلس الوطني وفي الحكومة الحالية بدرجة تمثل نسبتهم في السكان ومكانتهم التاريخية وموضعهم الجغرافي، وكذلك ما يتعلق بدولة قطر ومشكلة قبيلة آل مرة والسبب دائما القول بأن من سياسة المملكة عدم التدخل في الأمور الداخلية. ونحن مع هذا المبدأ ولكن إذا كانت الأوضاع ستستمر بدرجة تؤثر على المصالح الوطنية فإن استخدام النفوذ والتأثير غير المباشر وليس التدخل المباشر في السياسات الداخلية للدول أمر ضروري ويجب اتباع استراتيجية الردع عن المد الآخر وهذا يدعوني إلى أن أطرح الأسئلة التالية.


 الطريق إلى أين؟ وماذا نريد؟ هل نحن نمثل قيادة الأمة الإسلامية والعربية؟ أم نحن نمثل أمة وطنية معزولة عما يجري حولنا؟وما هي مناطق التهديد المستقبلية؟ وما هي أسواقنا التجارية والاقتصادية في المستقبل ؟.


وبناء على الإجابة على هذه الأسئلة نحدد استراتيجيتنا نحو الدول المجاورة ودول الخليج تقدما أو إحجاما إن المنظور الاستراتيجي الإقليمي ينبع من مكونات القوة والتأثير التي تمثلها الدولية، ولا يجدي التأييد والترحيب والاستنكار. فالمملكة العربية السعودية – والحمد لله – تمتلك من وسائل القوة البترولية والاقتصادية والسياسية ما يجعلها تمد نفوذها وتأثيرها إلى أبعد من حدودها، ويجب استخدامها لكي نحمي كيان الوطن، ولكي تمارس قوتها لحماية مصالحها . ولكي نتبع الأسئلة الاستراتيجية السابقة بسؤال مهم هو ما الذي دفع أمريكا وبريطانيا إلى الوصول إلى هذه المنطقة؟ الجواب يكمن في استراتيجيتها لبسط النفوذ والتأثير لتحقيق مصالحهما فهي تعتبر من المناطق الحيوية بالنسبة لهما وإذا كان هؤلاء قادمين من أماكن بعيدة إلى منطقتنا أليس نحن أولى بالمشاركة فيما يدفع الأذى عن المنطقة وعن المملكة، وعن المناطق الحيوية بالنسبة للمملكة. أنا لم أقل إن المملكة لم تفعل شيئا في هذا السبيل، فالمشاركة في اللجنة الوزارية للدول المحيطة بالعراق مثلا جزء من هذه العملية، ومن خلال مجلس التعاون أتوقع أن المملكة عملت شيئا من أجل قبيلة آل مرة، ولكن الأمر أبعد من ذلك، ولنأخذ هذا السؤال مثلا. بعدما تستقر الأمور في العراق، وعندما تنتهي مشكلة قبيلة آل مرة ماذا سيكون موقف المملكة بعد ذلك؟.


هذه الأسئلة تحتاج إلى إجابات، والإجابات تحتاج إلى مراكز دراسات وبحوث ومفكرين لكي يساعدوا الحكومة في وضع الدراسات والأبحاث. والاستراتيجيات المستقبلية بدلا من الاعتماد على الغير، سواء تجاه الدول المجاورة أو دول الخليج وفقنا الله إلى ما يحبه ويرضاه، ويحمي بلادنا و مصالحنا، ويرفع من عزة وكرامة هذه الأمة ومكانتها في المنطقة والعالم.


([1]) انظر: التصريح والخبر عن جريدة الرياض ص٣من العدد ١٣٥١٣تاريخ ١٦/٥/١٤٢٦هـ الموافق ٢٣يونيو٢٠٠٥م.