دبلوماسية المؤتمرات

سنحت لي الفرصة أن أشترك في أكثر من مؤتمر دولي، وأعرف كيف تتخذ القرارات في المؤتمرات الدولية. إنها لا تعمل فقط في قاعات المؤتمرات الرئيسية، لكن يمهد لها في اللجان الفرعية والإقليمية ، وفي قاعات الاجتماعات الاستشارية ، واللقاءات الودية بين رؤساء الوفود وأعضاء المؤتمرات، أو ما يعرف بدبلوماسية المؤتمرات حيث يتم الوفاق، واتخاذ القرارات بالأغلبية أو الإجماع بالتقاء مصالح المؤتمرین بعضها مع بعض وتعطي الدول أهمية لهذه المؤتمرات للحفاظ على مصالحها ورفع رايتها، وسماع صوتها في القضايا المطروحة؛ لأن ما يتخذ في هذه المؤتمرات سيعود بالفائدة على الدول والشعوب المشاركة فيها، وتقرير العلاقات بين الدول والشعوب الإسلامية . ومن خلال المؤتمرات الدولية – مثل هذا المؤتمر – تتحقق إرادات الأمم والشعوب في إطار الحوارات، واحترام الرأي والرأي الآخر، حتى يتوصل المؤتمرون إلى اتفاق وفاق في شكل قرارات وصيغ توفيقية تحقق مصالح الجميع؛ ولا يتسنى ذلك إلا بجهود مضنية، وصبر على النقاش، وسماع آراء ووجهات نظر الآخرين، وعدم الاستهانة بها، والحكمة في الحديث، واستخدام أسلوب المجادلة بالتي هي أحسن حتى يتوفر الاقتناع بالاقتناع بوجهة نظر الدولة التي يمثلها الممثل الدبلوماسي، وليس ما يمثل رأيه الشخصي. والدبلوماسية لها صور ووجوه وأشكال ؛ منها منابر المؤتمرات الدولية ، أو ما يعرف بدبلوماسية المؤتمر حيث الكلمة الطيبة والحكمة البالغة. إن الإرادة الدولة نوعين من الصور: إرادة داخلية بسن الأنظمة وتطبيقها، وجعل الناس يحترمونها لمصالح المواطنين والمقيمين، وإرادة سياسية خارجية تلتقي مع إرادات الأم الأخرى، وتتنافس مع مصالحها في محاولة المحافظة على المصالح الوطنية . لقد اشتركت أخيرا في المؤتمر التأسيسي لإنشاء اتحاد منظمة مجالس الشورى والبرلمانات للدول الأعضاء في المؤتمر الإسلامي، ورأيت بنفسي كيف دارت المناقشات والحوارات لإقرار النظام الأساسي للاتحاد، ومحاولة تفعيله بعد إقراره لاختبار إرادة الأم المشتركة فيه على كيفية اتخاذ القرارات وقبولها أو رفضها. فبعد أن عرض النظام في صورته ما قبل النهائية التي وضعتها لجنة التنسيق من الدول المشاركة وضعت الملاحظات عليه، وأحيل إلى لجنة الصياغة لكي يتفق على الحد الأدنى من الاختلافات على بعض التعابير والمصطلحات التي لها مدلولات مختلفة حسب اللغات المستعملة. وقد استعملت في هذا المؤتمر ثلاث لغات رسمية لها نفس الحجية هي: العربية، والإنجليزية ، والفرنسية ، ثم تم عرض النظام مرة أخرى على الاجتماع العام للمؤتمر. وبعد التداول ، وسماع المداولات والملاحظات على الصياغة أخيرا في خلال الاجتماع الثالث أقر النظام، وبدئ في تنفيذه بتشكيل مجلس الاتحاد المكون من عضوين عن كل دولة من الدول الأعضاء في المؤتمر، ومن الرئيس الذي اختير من دولة الباكستان بالإجماع، ونائبي الرئيس من لبنان، ومن مالي، وأصبحوا بذلك يمثلون المناطق الجغرافية الثلاث التي تتكون منها الدول والبلدان الأعضاء آسيا وأفريقيا، والمنطقة العربية ، ثم تم اختيار اللجنة التنفيذية المكونة من رئيس وهو رئیس المجلس، وستة أعضاء ، ويمثل كل منطقة جغرافية اثنان من الأعضاء يختارون بالاتفاق بين الدول أثناء الاجتماعات الإقليمية . مثلا الدول العربية في الاتحاد يتجمعون ويتفقون فيما بينهم على اختيار ممثليهم من دولتين من الدول، وكذلك تفعل المناطق الأخرى الأفريقية والآسيوية ، ويبتغي الاتحاد تحقيق أهداف شملها النظام الأساسي منها:


 – تدعيم التعاون والاتصال والتنسيق مع سائر المنظمات البرلمانية والمنظمات الحكومية وغير الحكومية الدولية بغية بلوغ الغايات المشتركة.

 – تعزيز التنسيق فيما بين شعوب الدول الإسلامية وشعوب العالم بقصد احترام حقوق الإنسان والمبادئ الإنسانية والدفاع عنها وإرساء أركان السلم القائم على العدل .


ويتكون الأعضاء في الاتحاد من مندوبين عن الدول الأعضاء في المؤتمر الإسلامي للتعريف بالإسلام وأهدافه النبيلة، وتطبيق مبدأ الشورى في الإسلام في جميع الدول الأعضاء بما لا يتعارض مع دستور هذه الدول. وقد شارك في المؤتمر التأسيسي للاتحاد أربعون دولة من الدول الأعضاء في المؤتمر الإسلامي الذي يزيد عن خمسين دولة أي إن أغلبية الدول الإسلامية شاركت في المؤتم، وحضر المؤتمر مراقبون من المؤتمر الإسلامي، والاتحاد العربي البرلماني، والاتحاد الدولي البرلماني وبعض الدول الإسلامية التي لم يتمكن أعضاء المجالس البرلمانية فيها من الحضور لأسباب الانشغال في الانتخابات ، مثل دولة الكويت ، فقد حضر الأمين العام للمجلس مراقا، وكانت وسائل الإعلام العربية والإسلامية موجودة في المؤتمر، وسجلت هذه المناسبة التاريخية. ونحن هنا نسجل حضورنا في المؤتمر الذي كان حضورا فاعلا، إذ مثل المملكة العربية السعودية رئيس مجلس الشورى، وأربعة أعضاء من المجلس، بالإضافة إلى المستشار القانوني للرئيس، ومدير مكتبه . وبهذا الحضور المتميز فإن المملكة العربية السعودية أثبتت للعالم الإسلامي أنها تؤيد أي تجمع إسلامي يهدف إلى خدمة الإسلام والمسلمين. وقد ساهم وفد المملكة بإلقاء رئيس الوفد كلمة ضافية بين في خلالها أن المملكة كانت سباقة إلى الدعوة إلى أول مؤتمر إسلامي عقد في مكة المكرمة في عهد الملك عبدالعزيز قبل ٧٥عاما ومن أولى الدول التي بذلت أكبر جهد في إنشاء منظمة المؤتمر الإسلامي التي تضم الدول الإسلامية ، وإنشاء رابطة العالم الإسلامي التي تضم ممثلين عن شعوب العالم الإسلامي. وقد استضافت المملكة مؤتمرات هاتين المنظمتين، وهي الداعية إلى إقامة حوار التضامن الإسلامي وتفعليه بالكلمة الطيبة، والحكمة البالغة ، والدعم المعنوي والمادي . وتم تطبيق دبلوماسية المؤتمرات في هذا المؤتمر من قبل ممثلي المملكة بدرجة متساوية مع ممثلي الدول الأعضاء في المؤتمر حتى تحققت أهداف المؤتمر، وتحققت أهداف المملكة بالاشتراك في تأسيس الاتحاد. وعلى جانب وهامش المؤتمر، وإتماما لدبلوماسية المؤتمرات تمت لقاءات ومقابلات رئيس وأعضاء وفد المملكة بالمسؤولين في الدولة المضيفة، وممثلي الدول في المؤتمر لتحقيق النجاح، وبلوغ الغاية من الاشتراك في المؤتمرات والحمد لله على ذلك.



والله الموفق.