مدينة القدس .. مفتاح الحرب والسلام

 تحتل مدينة القدس الصدارة في الأخبار هذه الأيام لما أقدمت عليه إسرائيل من البدء في بناء مستعمرة للسكان في القدس الشرقية، وهي الحد الأدنى لمطالب الفلسطينيين لإقامة عاصمة لدولتهم التي تعتزم السلطة الفلسطينية إقامتها في نهاية المرحلة النهائية من اتفاقية السلام بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية. ولم تكن هذه هي المحاولة الأولى من جانب إسرائيل لإقامة مستوطنة سكانية، بل سبقتها أعمال أخرى منذ احتلال الضفة الغربية سنة ۱۹۹۷م.


فقد عمل الإسرائيليون – منذ احتلال القدس – على نقل أجهزة الدولة الرئيسية من تل أبيب» إلى القدس، نتيجة لما حققوه في عام ۱۹۹۷م. فهم يرون أن القدس هي العاصمة العقائدية والفكرية والحضارية لهم، ففيها يحلمون بإعادة الهيكل، واستعادة كل الأرضيات الحضارية والتاريخية المزعومة ؛ والدليل على ذلك أنه بعد خمسة أسابيع فقط من سقوط القدس – في أوائل أغسطس ۱۹۹۷م – تم هدم السور الذي يفصل المدينة القديمة عن الجديدة، وتم بناء مستعمرة على «تل الذخيرة» شمالي القدس؛ وفي أوائل عام ۱۹۹۹م، تم بناء حي جديد من ۱۸۰۰ مسکن آخر على امتداد شارع النبي إسرائيل؛ كما تم في السنة نفسها بناء مجموعة من المساكن الأخرى ، كما تم بناء ٤٥ألف وحدة سكنية بمدينة القدس خلال الأعوام الأربعة الأخيرة تستوعب ٣٥٠ألف مهاجر يهودي جديد. ومنذ أن سقطت القدس بدؤوا الهدم والحفر في كل أرجاء المدينة ؛ فهم يريدون أن يغيروا شكل المدينة ، يريدون أن يرسموا صورة لإسرائيل كدولة تتمثل فيها حضارة الشرق، وقيام أول رسالة سماوية على يد بني إسرائيل، وتحقيق زعمهم بأن الله وعدهم بامتلاك الأرض من النيل إلى الفرات.


وتحت شعار البحث عن كنوز الحضارة العبرية القديمة الضائعة ، أو كنوز الملك سليمان، فإن وزارة المالية الإسرائيلية قد أصدرت قانونا خاصا بالاستيلاء على ۱۱۹ دوما في المنطقة الواقعة داخل أسوار مدينة القدس، وانتقلت بموجب هذا القانون ملكيتها إلى الحكومة الإسرائيلية، وتضم هذه المنطقة ، مسجد المحراب، مسجد عثمان بن عفان ، مسجد عمر، أبو مدين الجوات، مجموعة المدارس الإسلامية التي أقيمت في عهد المماليك ، وبدأ الإسرائيليون في هذه المنطقة حفرياتهم، مدعين البحث عن الهيكل القديم.

وقبل أن يحرق المسجد الأقصى، أعلن وزير الأديان الإسرائيلي عقب الاحتلال الغاشم للقدس، أن أرض المسجد ملك اليهود منذ هدم الهيكل، وبعد أسابيع من احتلال المدينة ، تلقت الهيئة الإسلامية بالقدس من جماعة من الماسونيين من أمريكا – أكثرهم من اليهود – کتابا يطلبون فيه من الهيئة السماح لهم بإعادة بناء الهيكل على أرض الحرم الشريف نظیر ۱۰۰ مليون دولار أمريكي.. وبالطبع رفضت الهيئة النظر في هذه الخرافة، وقبل حريق المسجد الأقصى في أغسطس ۱۹۹۹م، بيومين، نشرت الصحف الإسرائيلية مظاهرة تمثل استعراضا لخمسة وعشرين من شباب حزب بينار الإسرائيلي أمام مسجد الصخرة، وقد خاطبهم رئيسهم قائلا: «إنكم جئتم إلى أورشليم القدس، لتقوموا بهذا الاستعراض في جبل الهيكل الذي استولى عليه الغرباء» .


والذي حرق المسجد الأقصى – مايكل روهان عام ١٩٦٩م – لم يكن مجنونا، كما اعترف بذلك، أو كما حاولت الدعاية الصهيونية تصوير ذلك ، وإنما كانت خطة مدبرة تعتمد على أساس ديني وحضاري وفكري. والمسجد الأقصى كما ورد في القرآن الكريم والسنة النبوية هو أولى القبلتين، وثالث الحرمين الشريفين، وله مكانة في نفوس المسلمين وحضارتهم وجزء من عقيدتهم ، والتعدي عليه جرم يحرمه القانون الدولي .

فالتاريخ يؤكد أن حكم اليهود للقدس لم يدم أكثر من سبعين سنة متواصلة ، وذلك في عهد داود وسليمان عليهما السلام، كما حكموها فترات متقطعة لم تتجاوز ٤٠٠سنة ؛ بينما حكمها العرب أكثر من ٤١٦٥سنة، إضافة إلى أنهم هم الذين أنشؤوها، أما بقية الفترة التي تدنو من ۱۸۲۲ سنة من عمر المدينة الذي يتجاوز الستة آلاف سنة ، فقد كان الحكم فيها لغزاة من الآشوريين والفرس واليونان والرومان والصليبيين. وبذلك يبقى الحكم العربي للقدس هو الأصل وغيره هو الاستثناء، ذلك أنه في كل الفترات تواصل الوجود العربي في فلسطين ولم ينقطع قط.


ولهذا فإن تصرف إسرائيل الأخير لبناء مستوطنة على جبل أبو غنيم في القدس الشرقية هو امتداد للمطامع الإسرائيلية والتعنت الصهيوني، وليس له سند قانوني، بل إن الإجماع الدولي على أن القدس مع الضفة الغربية منطقة محتلة ، وينبغي معالجتها ضمن محادثات السلام، ولا تتصرف بها إسرائيل من جانب واحد. وكما هو معروف فإن دبلوماسية المفاوضات هي فن التعامل مع المتناقضات والمصالح المتعارضة، ودبلوماسية المفاوضات تدعو كلا الجانبين أن يحترم الاتفاقيات والوعود، والمواثيق الدولية ، إذا أريد للسلام أن يحل في المنطقة كما هي رغبة العرب والمسلمين؛ وإلا فإن القدس ستكون مفتاحا للحرب إذا تعذر السلام .