رؤية استراتيجية مستقبلية : استراتيجية الإدارة المالية البديلة

التاريخ: ١٩/٩/١٤٢٦هـ،

الجريدة: الجزيرة


تمتد جذور الإدارة المالية في المملكة العربية السعودية إلى أيام الملك عبد العزيز رحمه الله يوم كان وزير المالية هو الوزير الأول والأساسي والأوحد لندرة المال ومصادره، وامتد هذا الظل والإرث التاريخي على وزارات المالية في العهود اللاحقة حتى الآن.


ومازال العاملون في وزارة المالية يعتقدون أنهم هم الذين يفهمون والحريصون على المال العام وحدهم، وكل الوزارات والدوائر الحكومية تشكو من قلة الاعتمادات، ومن سوء الإدارة المالية لصرف قيمة ما يعتمد ، منها والسبب غياب الاستراتيجية المالية الواضحة والشفافية في كيفية الحصول على الواردات، وكيفية اعتمادها وصرفها وإدارتها .


فالوزارة الأم – كما يسمونها – مازالت المهيمنة على الموارد المالية رغم تزايدها ومازالت تستخدم الأساليب والأنظمة القديمة في إدارتها، بل إن شغلهم الشاغل هو كيفية التوفير وليس الصرف.

إن وزارة المالية لكي تصلح الأمور ينبغي أن تأخذ حجمها الطبيعي، وتكون وزارة خزانة تستلم الواردات وتودعها في مؤسسة النقد، وتصرفها بعد اعتماد الميزانية كوزارة مثل الوزارات الأخرى والتركيز على جباية الواردات من زكاه وضرائب ورسوم.


أما وظيفة الميزانية العامة فأقترح أن تكون إما لدى رئاسة مجلس الوزراء لكي توزع الاعتمادات حسب الخطة والاحتياج، وما على وزارة المالية إلا الصرف مثل الخزانة التي تستلم وتسلم. أما القرار، وكيف يصرف، ولمن، فهذه مهمة غيرهم، هذا ما هو متبع في أكبر الدول وهي الولايات المتحدة الأمريكية. يوجد لدى الرئيس مكتب للتنظيم والميزانية، وتوجد وزارة خزانة وليس مالية وكذلك في الدول المتقدمة الأخرى، فإذا كنا نريد أن ننفذ الخطة فيجب أن تكون اعتمادات الميزانية بعيدة عن وزارة المالية، إما أن تكون في رئاسة مجلس الوزراء، أو مع وزارة التخطيط لنقرب اعتمادات الميزانية مع اعتمادات الخطة، ويتم تنفيذ الخطة كما اعتمدت الأمر يتوقف على قناعة السلطة العليا بأخذ القرار المناسب؛ ولكي يتم القرار فإني أقترح أن تعد دراسة من مركز دراسات استراتيجية مالية تقيم الأساليب والأنظمة المالية والإجراءات المتبعة في إدارة وزارة المالية، ومن ثم تقدم الاقتراحات اللازمة، وأعتقد أن هذه الخطوة ضرورية للإصلاح الاقتصادي والمالي والإداري الذي تنشده الدولة، ويطلبه المجتمع الدولي، خاصة بعد انظمام المملكة إلى منظمة التجارة العالمية.


إن جوهر التنمية والتقدم وعصب الحياة هو المال، وما لم نحسن إدارته فإن معوقات التنمية كثيرة وكفانا تجربة ما حصل. إن التخطيط للتقليل من مركزية وزارة المالية بدأ منذ عدة سنوات بإعادة تنظيم الدوائر الحكومية، ومنها وزارة والمالية متى تمت الخطوات التالية فصل معهد الإدارة العامة من الارتباط بوزارة المالية وربطة بوزارة الخدمة المدنية. فصل أعمال التجارة الخارجية وضمها لوزارة التجارة والصناعة. فصل الإحصاء والاقتصاد وضمها إلى وزارة التخطيط.


وهذه الخطوات ساعدت في الإصلاح المالي والإداري وبقيت خطوة رئيسية هي التنظيم والميزانية التي ينبغي إعادة تنظيمها، ودراسة وضعها للوصول إلى أحد البدائل التالية.


هل تستمر مع وزارة المالية.


 أم هل ترتبط بمجلس الوزراء.


 أم هل ترتبط بوزارة التخطيط .


 للإجابة على هذا السؤال الرئيسي فإن الجهة المعنية في اللجنة الوزارية للتنظيم الإداري فهي الجهة المخولة ، وتحتاج اللجنة إلى دراسة هذه الحالة أو هذا السؤال إما بواسطة فريق العمل لديها أو بواسطة مكاتب استشارية محلية وإدارية سعودية وليست خارجية، ومن ثم اتخاذ القرار الاستراتيجي المناسب. إنني سبق أن طرحت مثل هذه الأفكار التي أخذ ببعضها ولم يؤخذ بما يتعلق بالتنظيم والميزانية، وسوف أظل أطالب بالدراسة لهذا التنظيم حتى يصلح ما أفسده الدهر.


وأكاد أجزم أن جزءا من عملية الفساد الإداري الذي بدأ يتفشى في المملكة مرجعه إلى الإجراءات المالية والإدارية والتمثيل المالي، أو المراقبة المالية والأنظمة المالية الضيقة، وهنا مربط الفرس كما يقال.


ولكي أعطي مثلا بسيط مما نشرته الصحف فقد نشرت جريدة اليوم في الصفحة الأولى خبرا تحت عنوان: ( وزارة المالية تؤخر افتتاح عشر قنصليات سعودية) في بعض الدول، وهذا القرار الذي اتخذته وزارة المالية سوف يؤثر على السياسة الخارجية، وعلى التجارة بين المملكة والدول المعنية، وعلى الحجاج وطلاب العمرة الذين يرغبون أخذ تأشيرات من أقرب البلدان إليهم، ولهذا السبب إن صح فقد عطلت وزارة المالية هذه المصالح، ومصالح المملكة، وهذا الدليل يثبت ما ذكرناه آنفا من الحاجة إلى إعادة تنظيم وزارة المالية، وجعلها وزارة خزانة فقط.