العولمة ومستقبل هيئة الأمم المتحدة والعلاقات الدولية

هيئة الأم المتحدة هي المنظمة الدولية التي نشأت بعد الحرب العالمية الثانية سنة ١٩٤٥م وحلت محل عصبة الأم.


وتتنازع هيئة الأمم المتحدة – على المستوى الأكاديمي في دراسة العلاقات الدولية – نظريتان في علم السياسة والعلاقات الدولية . الأولى أن الأم المتحدة ينبغي أن تلتزم بميثاقها، وتظل ميدانا فسيحا للعلاقات الدولية بين الأمم والتنمية الدولية ، وهذه أهم مبادئ هيئة الأمم المتحدة.


والنظرية الثانية تقول : إن هيئة الأمم المتحدة ينبغي أن تتوسع مقاصدها وأهدافها لتصبح حكومة عالمية، وتنقاد الدول الأخرى لسيادتها وتصبح سيادة الدول محدودة وعند النظر في ظهور مبدأ العولمة، ومحاولة السيطرة على العالم من حكومة شبه عالمية، والتوسع في الاتصالات الدولية، وتوقع دخول منظمة التجارة في جميع الميادين التجارية فإن هيئة الأمم المتحدة تصبح في منعطف أو مفترق الطرق، خاصة بعد الحرب الباردة.


ففي الوقت الذي أخذ فيه دور هيئة الأم المتحدة، يتغير وتأخذ المبادرة في التأثير على القرارات الدولية لمجلس الأمن من قبل الدول الكبرى الخمس التي تملك حق النقض، فإن الأمر أصبح أكثر تعقيدا بخروج مبدأ جديد هو العالم الجديد الذي تسيطر عليه دولة عظمی واحدة، وأصبحت هيئة الأمم المتحدة تستخدم لمصالح بعض الدول وآلية لتحقيق رغبات وتطلعات هذه الدولة القطب الواحد، بدلا من تعدد الأقطاب الذي كان سائدا إبان الحرب الباردة . وقل دور الأربع الدول الأعضاء في مجلس الأمن الذين لهم حق النقض بحكم تقلص القوة لدى تلك الدول. أما بقية الدول الأعضاء في مجلس الأمن فهي تتأثر في عضويتها بالأقاليم التي تمثلها، وفي الغالب أنها تدور في فلك القوة العظمى، أو الامتناع عن التصويت وهو حق تتنازل عنه الدولة الممتنعة.


وظلت الجمعية العمومية هي الميدان الفسيح لدول الجنوب (دول العالم الثالث) لكي تثبت وجودها، وتحافظ على سيادتها وفق القانون الدولي.


ولهذا فإن الحاجة تدعو إلى إعادة النظر في ميثاق هيئة الأمم المتحدة ، بحيث يزاد عدد الأعضاء في مجلس الأمن الذين يحق لهم استخدام حق النقض بما يعكس تمثيل أقاليم ودول العالم التي تضمها الجمعية العمومية لهيئة الأمم المتحدة .


والبديل الثاني هو بقاء الوضع على ما هو عليه ؛ وفي هذه الحالة سيكون دور هيئة الأمم المتحدة مشلولا ومتأثرا برأي مصالح الدول العظمى، حتى أصبحت هيئة الأمم ناديا للأقوياء. ولذا ينبغي أن تتغير موازين القوى بين دول العالم، وتعدد الأقطاب وهو في صالح دول العالم الثالث، ومع ذلك لا بديل الهيئة الأم المتحدة لأنها مجال للتفكير ، وللاختلافات بين الدول.


وإلى أن يتم ذلك فإن حلف الأطلسي أصبح يتمتع بدور يتعاظم ويؤثر على دور هيئة الأمم المتحدة ومجلس الأمن فيها بعد زوال حلف وارسو إثر سقوط الاتحاد السوفيتي، إذ أن هذا الحلف أصبح ذراع القوى العظمى في تحقيق أهدافها عندما تكون توجهات هيئة الأمم المتحدة في غير صالحها، وأصبحت سيادة الدول تتأثر بهذا الدور الجديد.


والسؤال الذي يطرح نفسه : ما هو مستقبل هيئة الأمم المتحدة على ضوء الدخول في العولمة، وما يترتب عليها مستقبلا؟ وأمثلة تدخل هيئة الأمم المتحدة عديدة منها البوسنة والهرسك، وكوسوفا، وتيمور.


وفي رأيي أن الدول الإسلامية، التي تكون ثلث الأعضاء في هيئة الأمم المتحدة، وسكانها يمثلون ثلث سكان العالم، عليها أن تتخذ من مبدأ العولمة مبدأ إيجابيا مهما قبل تحوله إلى أقوال سلبية، وأن تحول العولمة لخدمة الإسلام؛ لأن الإسلام دعوة عالمية لكل الناس، وأن يكون لها دور فاعل في هيئة الأم المتحدة، ومجلس الأمن، وفي جميع القضايا الدولية، وأن تشارك في جميع المؤتمرات الدولية المنبثقة عن هيئة الأمم المتحدة ومنظماتها بقوة وفاعلية حتى تشارك في اتخاذ القرارات الأممية، وتمارس حقها الشرعي، وتحافظ على سيادتها.


كما ينبغي ألا يكون حضور هذه الدول في المؤتمرات حضور المتفسح والمتابع، ومن الملاحظ أن بعض الدول النامية لا تهتم بحضور المؤتمرات الدولية، وإن حضر ممثلون لهم فليست لديهم تعلیمات وصلاحيات للمشاركة الفعالة ، ولذلك لا يحرصون على حضور كل الجلسات فيكون حضورهم مقتصرا على جلسات المراسم في الافتتاح والختام، ولكن لا يشاركون في المناقشات، واتخاذ القرارات التي تؤثر على دولهم إن لم يكن مباشرة فهي تؤثر عليها بطريقة غير مباشرة، بصفتها أعضاء في منظمة هيئة الأمم المتحدة ، وهيئاتها المتخصصة.


إن كثيرا من القرارات والاتفاقيات الدولية تتم عبر هذه المؤتمرات ، فإذا كنا نريد أن نكون فاعلين على الساحة الدولية، ونقوم بدورنا باعتبارنا مسلمين، فإن علينا مسئولية حمل الرسالة وتبليغها، والدعوة إليها. فالواجب الحرص على حضور هذه المؤتمرات والمشاركة فيها، والإعداد لها والمساهمة بإيجابية في قراراتها، وأن تسعى الدول الإسلامية إلى مناصرة عودة تعدد الأقطاب في القوى العالمية ، وهذه الإستراتيجية في صالح الدول الإسلامية .


والعولمة لها إيجابيات وسلبيات، ومشاركتنا في المؤتمرات الدولية المتعلقة بالعولمة والتجارة الدولية تزيد من الاستفادة من إيجابيات العولمة، وتقلل من سلبياتها بالمشاركة في نشاطات هيئة الأمم المتحدة ومنظماتها المتخصصة.


ويجب الاستفادة من المنظمات الإنسانية، والاجتماعية، والاقتصادية ، والبيئية، ومنظمة الأغذية وغيرها، فهي مرجع صالح للشرعية الدولية من الناحية السياسية والقانونية، ومفيدة من النواحي الأخرى إذا أحسن استخدامها والاستفادة منها . فالمعاهدات والاتفاقيات الدولية تحدد كيفية التعامل والاستفادة من منظمات هيئة الأمم المتحدة المتفرعة منها، وعدم المشاركة فيها يعني عدم الاستفادة منها .. هذا ما أراه نحو إستراتيجية مستقبلية .


والله الموفق.