التخطيط والدراسات المستقبلية

التاريخ: 18 جمادي الأولى 1418هـ

الجريدة: جريدة الرياض


 أصبح التخطيط منهج الدول لتحقيق أهدافها، وتيسير أعمالها. كما أنه وسيلة للشركات في تحديد معالم المستقبل في تحقيق غاياتها، وهو عمل اليوم والليلة بالنسبة للأفراد لتدبير شئونهم اليومية والمستقبلية. ويعتمد التخطيط على عدة أبعاد هي الأهداف والاستراتيجيات لتحقيق هذه الأهداف والبعد الزمني، والدراسات والبحوث والمعلومات الاحصائية، والتمويل والإدارة والمتابعة، والدراسات المستقبلية هي الطريق المستقيم إلى التخطيط لأن التخطيط يهتم بالمستقبل، ولابد أن تتم من قبل مختصين ومهتمين بها.


والدراسات المستقبلية هي نوع من التخيل وتصور ما سوف يكون عليه المستقبل بناء على المعطيات والمعلومات المتوفرة والمتوقعة. وتعتمد الدراسات المستقبلية على نظرية الاحتمالات والبدائل والفرضيات، والدراسات المستقبلية تنهج الطريقة العلمية في الكتابة والعلم بوسائل وطرق التخطيط، وأهم مصادره القرآن الكريم الذي دعا إلى التفكير في مخلوقات الله، وفي الكون والوجود، والسموات والأرض، والدراسات المستقبلية هي منظار إلى المستقبل يقرب البعيد ، ويشخص المرض ويصف العلاج ليجعل الآمال والأحلام حقائق وواقعا.


والتخطيط والدراسات المستقبلية تهتم بإسعاد الإنسان، وتحقيق أهدافه الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية والأمنية، ولا تهتم بالجيل الحاضر فحسب، بل تركز على الأهداف القريبة والبعيدة للأجيال الحاضرة والمقبلة. وهذه من أهم مشروعية التخطيط والدراسات المستقبلية. ويتميز العاملون في هذه المجالات بالخيال العلمي الواسع ، ومعظم الكتابات والدراسات المستقبلية التي خرجت كانت بدايتها في شكل أفكار خيالية حولها العلماء إلى حقائق علمية مثل غزو الفضاء، والوصول إلى القمر، والصعود إلى المريخ، وخرج في العصر الحديث كتاب وعلماء متخصصون في الدراسات المستقبلية.


إن صاحب الخيال العلمي الواسع يستطيع أن يحول الخيال إلى خطة قابلة للتنفيذ إذا توفرت له عواملها، وعزائم القادة الذين يحولون آمال الأمة إلى مستقبل وضاء، وواقع سعيد، والقائد السياسي، أو الاقتصادي، أو العسكري، أو الإداري يستطيع الاستفادة من هذه الدراسات المستقبلية لمعاونته في تحقيق أهدافه، بل ويهيئ لها المناخ المناسب، والمعلومات والإحصائيات المتوفرة حتى تكون الخطط أقرب إلى الواقع والبيئة، لأن المفكر العالم ينطلق إلى المستقبل، وما يتوقع أن يكون ليحوله إلى ملحمة أدبية قابلة للتنفيذ. فالنظريات العلمية تبدأ من الفرضيات لما كان، وما هو كائن، وما سيكون ولابد للعاملين في مجال التخطيط والدراسات المستقبلية من أن يلموا بالتاريخ والزمان ، والمكان، أي البيئة والتنمية .

فالمعطيات والمنجزات العلمية التي تحققت عبر القرون هي وليدة تخیلات وتصورات الكتاب والعلماء الذين يهتمون بالدراسات المستقبلية النظرية والعلمية ، مثل التي تحققت في مجال الطب، والصناعة مثل صناعة الطائرات ، ووسائل الاتصالات والإعلام. فالمنجزات الحضارية هي وليدة الدراسات المستقبلية ، مثل غزو الفضاء ؛ ويبدأ الاهتمام بالدراسات المستقبلية بالتربية والتعليم والتخطيط منذ الصغر في البيت والمدرسة عند الأطفال لتشجيعهم على الابتكار والإبداع، أي أنها تبدأ من الفرد والأسرة، ثم يحتضنها المجتمع بمؤسساته العلمية والإدارية ودور الدولة في تحقيق آمال الأمة إلى أن يتوسع العمل والدراسات لتشمل التصور ماذا ستكون عليه الدول، ثم ماذا سيكون عليه الإقليم، ثم مجموعة من الدول التي تجمعها جغرافية واحدة، وأهداف وآمال ، وواقع اجتماعي واقتصادي متشابه أو متماثل، ليكون منظومة فاعلة في المجتمع الدولي .


ولهذا فإن الدراسات المستقبلية والتخطيط تتسع لتشمل الإنسان والفرد، والأسرة والمجتمع، والدولة والإقليم والعالم أجمع. وكلما اتسعت دائرة الدراسات المستقبلية والتخطيط صعبت، ولكن الذي پیسرها في هذه الأيام توفر التجربة والمعلومات والإحصائيات والوسائل العلمية، والمعامل والاتصالات، وكل ما يحتاجه الإنسان هو العزيمة والتصميم للسير في هذا المنهج الذي يقود إلى بر الأمان، بدلا من التخبط العشوائي والاعتماد على نظرية الخطأ والصواب وما دام الله وهبنا نعمة العقل فإنه – أي الإنسان – ظالم لنفسه إذا لم يستفد منها . ومركز القوة عند الإنسان هو العقل، ووسيلة هذا التفكير في الإبداع ؛ والعلاقة بين العقل والفكر مثل العلاقة بين الحصان والفارس. فإذا أطلق الفارس العنان لحصانه ساح في الميدان والفضاء، وانطلق بلا حدود، وإذا أمسك الفارس بعنان حصانه ، ووجهه إلى ما يريد تحقق هدف التخطيط. فإذا أطلقت للفكر عنانه فإنه يصول ويجول في عالم الخيال والتصورات والأفكار والآراء إلى ما ليس له حدود. فالإنسان يملك قدرات عقلية عظيمة لا يستفيد منها أحيانا ، والدراسات المستقبلية والتخطيط تعين الإنسان على الاستفادة من هذه الإمكانات التي يمتلكها الإنسان، فهي ثروة لا يستهان بها.


 أصبح العلم عامة من عوامل الإنتاج، وبناء ثروة الأم أكثر من رأس المال النقدي. وبعض الرجال الذين لا يمتلكون المال، ويحبون الخير للإنسانية يوقفون عقولهم وأفكارهم لخير الإنسانية، بالمساهمة في الكتابة والتفكير ، والتخيل والتصور لخير أسرتهم ومجتمعاتهم وأمتهم؛ وهي ضريبة العلم ، ومسئولية اجتماعية لا يتخلى عنها إلا عاق بأهله ووطنه .


وتنتهج الدراسات المستقبلية منهجين من طرائق البحث العلمي أحداهما الطريقة المتفائلة ، وهي التي تنطلق من أن الإنسان إذا أحسن التصرف في استخدام فكره وعقله وقدراته المعنوية والمادية إلى الطريق المستقيم توصله إلى بر الأمان، على اعتبار أن الإنسان يساهم في صنع مستقبله بالتنمية المستديمة.

والطريقة الثانية هي الطريقة المتشائمة التي تنظر إلى أن تصرفات الإنسان الخاطئة حتما ستعود إلى ما هو أسوأ، وهذه الطريقة تعتمد على التخوف من المستقبل، وتنظر إلى الأخطار المحدقة بالإنسان على هذه الأرض، وأنها حتمية وإن الإنسان يدمر حياته بنفسه والإيمان بالله ، والتفاؤل – وليس التشاؤم – هو سلاحنا إلى المستقبل هو جسر الأمان إلى القرن القادم بكل عناية بالطرق العلمية المحمودة والراشدة . ومن ذلك الترشيد في استهلاك المياه، والكهرباء، والادخار في الأموال في الصرف وعدم الإسراف والتبذير، لأن الثروة التي تمتلكها الأمة سواء بالصيغة النقدية والأصول أو الثروة النفطية والمعدنية التي تختزنها أرضنا الزكية هي للكل وليس للأجيال الحاضرة فقط، ولكن للأجيال القادمة أيضا. والإسراف والتبذير هو خصلة مذمومة في القرآن الكريم والسنة.


والتخطيط والدراسات المستقبلية لدى الدول المتقدمة لم تعد تقتصر على التخطيط القصير الأجل الذي عادة ما يكون من سنة إلى خمس وسبع سنوات، بل تتعداها إلى التخطيط طويل الأجل إلى عشر سنوات، إلى عشرين سنة، بل إن الأمم الصناعية الكبرى تخطط لخمس وعشرين سنة فأكثر، بحيث تتعدى أهداف التخطيط طويل الأجل من الجيل الحاضر إلى الأجيال القادمة. فمثلا الولايات المتحدة الأمريكية خرجت بعد الحرب العالمية الثانية منتصرة مع الدول المنتصرة، ولكنها افترضت أن الاتحاد السوفيتي (السابق) هو أيضا من الدول المنتصرة أصبح يمثل العدو المقبل لها، فأخذت الدولتان في التخطيط للتغلب على الأخرى في حرب باردة تتخللها جهود مضنية من غزو الفضاء، وتطوير أسلحة الدمار الشامل، والتقدم العلمي والصناعي، ونظام الإدارة والمؤسسات، وحرية الإعلام والنشر . وكانت نتيجة السباق لصالح الولايات المتحدة الأمريكية، لأنها اعتمدت على الدراسات المستقبلية، ومعاقل العلم والأفكار ، ومراكز الدراسات والأبحاث، فقد صرفت عليها أموالا طائلة . والآن يدور سباق آخر في هذا الميدان بين الولايات المتحدة، والدول الأوروبية، واليابان ، والصين. فالولايات المتحدة تحاول الحفاظ على مكاسبها، ودورها العالمي كدولة ذات قوة عظمى، والقطب الأوحد. والدول الأخرى – منها حسب ظروفها تحاول – أن تحد من هذا الدور، وأخذ أدوار مماثلة ، ولكن السباق طويل. وعلى مستوى الدول النامية نجد أنها بدأت تستفيد من تجاربها و تجارب الأمم الأخرى باللحاق بطريق التنمية بالتجمعات الإقليمية، والعمل في إطار المصالح المشتركة كدول جنوب شرق آسيا ودول الخليج العربية والدول العربية ، والدول الإفريقية .


من ناحية أخرى بدأت كل دولة تسعى لتحسين مركزها السياسي والاجتماعي والاقتصادي بالاستفادة من معطيات التخطيط والدراسات المستقبلية للحاق بالركب. وعلى مستوى الأفراد فإن العلم قد دخل كل بيت ، وأسلوب الحياة قد تغير، وأصبح الإنسان ينظر إلى المستقبل بنظرة علمية ، ولكن البعض مازال يعيش يومه ولا يفكر في مستقبله بعقلية التخطيط والدراسة.


لقد آن الأوان بعد التجربة التي مرت بها الدول العربية بصورة عامة ، والمملكة العربية السعودية خاصة من التخطيط الخمسي لخمسة وعشرين عاما جرى خلالها التخطيط والتنفيذ لخمس خطط خمسية حققت جل أهدافها، وأعطت منجزات حضارية على جميع المستويات، وفي جميع القطاعات ، ويجري تنفيذ الخطة السادسة. وحري بنا في هذه المرحلة – استعدادا للخطة السابعة – أن نفكر في إعادة النظر في المدة الزمنية للخطة . فبدلا من أن تكون خططا خمسية، فلعل التخطيط لدينا يتحول إلى خطط سبعية أو عشرية ، ويأخذ في الاعتبار التخطيط طويل الأجل لبعض القطاعات، مثل التعليم والصناعة التي تتميز باستمراريتها وحاجتها للتخطيط طويل الأجل، وهي فرصة مناسبة عند بداية قرن جديد في مسيرة التنمية في المملكة بمرور مائة عام على تأسيسها بقيادة المغفور له – إن شاء الله – الملك عبدالعزیز بن عبدالرحمن آل سعود، أن نأخذ بالدراسات المستقبلية، والتخطيط طويل الأجل للقرن القادم بنظرة فاحصة ننظر بمنظارين منظار للتخطيط قصير الأجل للأمور الآنية ، ومنظار للتخطيط طويل الأجل للأمور الآجلة المستقبلية، معتمدين على الله ، ثم على الدراسات والأبحاث المستقبلية، مستفيدين من التاريخ، وتجارب الحاضر والماضي، لكي توضع خطة قصيرة وخطة أخرى طويلة الأجل في وثيقة واحدة تأخذ في الحسبان الندرة كالمياه والوفرة كالنفط، ونضع البدائل للجيل الحاضر والأجيال القادمة.