الاستفادة من المتقاعدين

تحرص الدول على تكريم المتقاعدين من الخدمة العامة ، سواء كانوا مدنيين، أو عسكريين بالاستفادة من خبراتهم، وإعادة توظيفهم في أعمال تتناسب مع قدراتهم. فهم كجنود الاحتياط ، يعتبرون ثروة بشرية مدربة ومؤهلة ، وقد اكتسبوا خبرات في مجالات متخصصة. والدول المتقدمة تعطي هذا الموضوع أهمية كبرى في توسيع نطاق الاستفادة منهم، وتوسيع تقديم الخدمات الاجتماعية والرعاية الصحية للمتقاعدين من مدنيين وعسكريين، كإعادة تعيينهم في المجالات الاستشارية ، ومراكز البحوث، والأعمال الدبلوماسية ، وإدارة الشركات والمؤسسات. كما أنهم يقومون بإجراء الدراسات والبحوث لتحسين أوضاعهم الاقتصادية ، وذلك برفع مرتباتهم التقاعدية بنسبة تتواكب مع ارتفاع مستوى المعيشة في بلدانهم. وفي الدول النامية يحظى المتقاعدون بالاهتمام ولكن ليس بالقدر الكافي الذي يمكن الاستفادة منهم، بل إن البعض قد ينظر إليهم وكأن دورهم في الحياة الدنيا قد انتهى.


إلا أنه – ولحسن الحظ . فإن المملكة العربية السعودية خير مثال على الاهتمام بالمتقاعدين من مدنيين وعسكريين، وقد سنت أنظمة التقاعد المدنية والعسكرية ، وأنشأت مصلحة للمعاشات والتقاعد المركزية ، كما شكلت إدارات للتقاعد في بعض الوزارات المختلفة لتسهيل إجراءات معاملاتهم، ولإنهاء خدماتهم ، وتصفية حقوقهم، وبدأت بالاستفادة من بعضهم في مجالات العمل الاستشاري مثل مجلس الشورى، ومجالس المناطق، والاستفادة من بعضهم في العمل الدبلوماسي، كما أن القطاع الخاص في المملكة العربية السعودية قد يسر لهم مجالات متعددة للعمل في مجالس الإدارة للشركات والمؤسسات التجارية والبنوك. ولا شك أن الدول العربية الأخرى تشارك المملكة العربية السعودية في هذا الاهتمام بالمتقاعدين والاستفادة منهم، إلا أن الكاتب يرى أن الأمر يحتاج الى المزيد من الجدية في دراسة أحوالهم، وتقدير خدماتهم، وتحسين أوضاعهم الاقتصادية والمعيشية والصحية. فهناك مجالات عديدة يمكن الاستفادة منها لمن يرغب العمل منهم في التدريس في المجالات العلمية المختلفة، ومن ذلك – مثلا – مجال التربية الوطنية، ومجال التربية العسكرية . وقد أحسنت الدولة السعودية صنعا بإقامة حفلات سنوية لتكريم المتقاعدين، ويؤمل ألا يقتصر الأمر على التكريم ، بل ينبغي إعادة دراسة أوضاعهم من جديد في كل عام، حتى تجنب العوائق التي تعترض طريق حياتهم، وهم الذين أدوا خدمات جليلة للوطن، فحقهم علينا – إلى جانب التكريم والرعاية الاجتماعية والنفسية والاقتصادية – إيجاد فرص عمل جديدة لمن يرغب.


وقد يتساءل البعض لماذا الاهتمام بهذه الفئة من المواطنين والدول تواجه صعابا في توفير فرص عمل للمتخرجين من الشباب والشابات من البنين والبنات؟ وردي على ذلك أن المتقاعدين من الخدمة العامة لا يمثلون عددا كبيرا، أو نسبة عالية من القوى العاملة إنما هم نسبة قليلة إذا قيست بأعداد المتخرجين كل عام. والسبب الثاني الذي يدعو للاهتمام بهم أنهم أدوا خدمة جليلة الأوطانهم، واكتسبوا خبرات عديدة ولا يزال الوطن في حاجة إليهم، وهي مسئولية اجتماعية تجاه من أمضوا حياتهم وزهرة شبابهم في خدمة أوطانهم ، فقد أعطوا الكثير، ويستحقون أن يرد إليهم الجميل بالتكريم والتقدير، وإتاحة الفرصة لمن يرغب منهم في العمل، وأهم من ذلك كله نظرة الاحترام والتقدير لهم.


وعودة لموضوع المتقاعدين، فإن الواجب يدعونا إلى إعادة النظر في دراسة أنظمتهم، وتغيير النظرة نحوهم ، وإجراء الدراسات لتحسين أوضاعهم . بل إنني أدعو الى إعادة النظر في سن التقاعد، وتغييره من ٦٠-٦٥إلى ۷۰ سنة ، خاصة بالنسبة لأساتذة الجامعات ومن في حكمهم، لأن المستوى الصحي قد ارتفع وأصبح الإنسان في سن الستين قادرا على العمل لأكثر من هذه السن .